رسالة إلى زهير

أعذرني يا زهير إن أنا أخّرت بوحي ، فقد أغرتني الدنيا بطول آمالها وأقعدتني نفسي بتسويفها و عبثها فسبقتني إليك المنايا قاطفة ما تبقّى من شبابك الذي أهرمه المستبدّ وأنهكه وعيك بالإستبداد. فضاق صدرك ، و أعانه على ذالك هول ما رأيت من أصناف التعذيب والتنكيل وقبيح القمع والتهميش والإذلال.
أعذرني أيضا يا زهير فمِداد الكلمات عندي دينيّ و رؤى الموت في خيالي كربلائيّ. كيف لا و العدوّ مدجج ظالم و المظلوم قتيلُ أعزل. فكأنّي بك تردّد كلمات أمير الثّورة الحسين إبن علي في طريقه إلى طف حتفه : " هيهات منا الذلة… والله إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما ". موتك لم و لن يكون هزيمة. إنه انتصار الدم على السيف. نظرية قديمة قدم الثورة على الظلم يواجه فيها الفرد غطرسة زمانه فينتصر، ليس بمقاييس الموت و الحياة الجسديين بل بمقاييس أسمى تعيد للإنسان بُعده التراجيدي و الربّاني. بُعدٌ يتّحد فيه الإنسان بالمُثل فكأنما مُثل و لا إنسان . وكأنما إنسان و لا مُثل. إنها نظرية خالدة خلود إرادة التحرر التي لن تُرفع مهما تعددت أساليب الإستحمار واستفحلت فنون التدجين و التضليل. تزرع الأمل وتنفخ روح الشجاعة والفداء في القلوب المنهكة. أسأل الله أن يجعل من درب المقاومة الإفتراضية في موقع و منتدى تونيزين صدقتك الجارية التي لن تنقطع بانتهاء الدكتاتورية القابعة على صدورنا والحاصدة لأرواحنا الواحد تلو الآخر. ولتعلم الدكتاتورية و زبانية الموت في وطني أننا مرابطون ، عازمون على الإبقاء على حيوية النضال وزخمه المعنوي المتدفق ضدها ، إحقاقا للحق وللعدل وللحرية وإزهاقا للباطل، باطلها. إن الباطل كان زهوقا. ولن يثنينا عن مواصلة الدرب الذي فتحه زهير شيءٌ. لا السجن و لا التعذيب و لا المنفى. طالما أننا على حق فلا همّ : أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا. وهيهات منا الذلة.
وماذا أقول و أنا الذي لم أعرف زهير إلا من خلال ما كتب و ما قِيل عنه.على الرغم من عدم معرفتي به فإن خبر وفاته أدخلني في دوامة حزن لم أعهدعا. أهو صغر سنه الذي آلمني أم شدة البلاء الذي سُلط عليه و على عائلته منذ أن وطأت قدماه حلبة السياسة المتوحشة و القاتلة في بلدي ؟ أم آخر ما كتبه على منتدى تونيزين والذي أيقظ حبي لبطل مظاهرات أفريل 1938 المطالبة ببرلمان تونسي، علي بلهوان؟ مهما تعددت الأسباب فالوقع واحد : مزيج من الحزن و البكاء و الغضب.
Tags: Arabic, Cyberactivism, Freedom-of-Speech, tunisia, zouhaier-yahyaoui
Related posts (automagically generated):
« al-Harga | Home | Joli moqueur ! »



Leave a Comment